محمد حسين علي الصغير
114
تاريخ القرآن
فقال : نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا ، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا » « 1 » . وفي ضوء ما تقدم يبدو لنا أن الاختيار عبارة عن استنباط القراءة من خلال النظر الاجتهادي في القراءات السابقة ، والموازنة فيما بينها على أساس السند في الرواية ، أو الوثاقة في العربية ، أو المطابقة في الرّسم المصحفي ، أو إجماع العامة ، من أهل الحرمين أو العراقين ، أو الموافقة بين مقرءين ، ومن خلال ذلك نشأت القراءات المختارة . يقول القرطبي : « وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء ، وذلك أن كل واحد منهم اختار مما روي وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى ، والتزم طريقه ورواه ، وأقرأ به ، واشتهر عنه وعرف به » « 2 » . ويرى الدكتور الفضلي : « أن اجتهاد القراء لم يكن في وضع القراءات - كما توهم البعض - وإنما في اختيار الرواية ، وفرق بين الاجتهاد في اختيار الرواية والاجتهاد في وضع القراءة » « 3 » . فإضافة القراءة لصاحبها إضافة اختيار لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد « 4 » . ومما يؤيده ما أورد أبو شامة باعتبار القراءة سنة ، والسنة لا مورد فيها للاجتهاد بالمعنى المشار إليه : « ألا ترى أن الذين أخذت عنهم القراءة إنما تلقوها سماعا ، وأخذوها مشافهة ، وإنما القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول ، ولا يلتفت في ذلك إلى الصحف ، ولا إلى ما جاء من وراء وراء » « 5 » .
--> ( 1 ) الحافظ الذهبي ، معرفة القراءة : 1 / 171 . ( 2 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 15 / 40 . ( 3 ) الفضلي ، القراءات القرآنية : 106 . ( 4 ) ابن الجزري ، النشر : 1 / 52 . ( 5 ) أبو شامة ، المرشد الوجيز : 132 .